ابن قيم الجوزية
333
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين
يدفعه بمشيئته وهو المستعاذ بمشيئته من مشيئته وهو المعيذ من فعله بفعله وهو الذي سبحانه خلق ما يصبر عليه وما يرضى به فإذا أغضبه معاصي الخلق وكفرهم وشركهم وظلمهم أرضاه تسبيح ملائكته وعباده المؤمنين له وحمدهم إياه ، وطاعتهم له ، فيعيذ رضاه من غضبه . قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ليس عند ربكم ليل ولا نهار نور السماوات والأرض من نور وجهه وان مقدار يوم من أيامكم عنده اثنتا عشرة ساعة فتعرض عليه أعمالكم بالأمس أول النهار اليوم فينظر فيها ثلاث ساعات فيطلع منها على ما يكره فيغضبه ذلك فأول ما يعلم بغضبه حملة العرش يجدونه يثقل عليهم فتسبحه حملة العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة حتى ينفخ جبريل في القرن فلا يبقى شيء إلا يسمع صوته فيسبحون الرحمن ثلاث ساعات حتى يمتلئ الرحمن رحمة فتلك ست ساعات قال : ثم يؤتي بالأرحام فينظر فيها ثلاث ساعات فذلك قوله تعالى : ( هوَ الَذي يُصَورُكُم في الأَرحامِ كيفَ يَشاء ) وقوله : ( يَهِبُ لِمَن يَشاء أُناثاً ويَهِبُ لِمَن يَشاءُ الذُكور أَو يُزَوجِهُم ذُكراناً وإناثا وَيَجعَل مَن يَشاء عَقيما ) فتلك تسع ساعات ثم يؤتي بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات فذلك قوله : ( يُبسِطُ الرِزقَ لِمَن يشاء ويقدر ) وقوله : ( كُل يَومٍ هوَ في شأن ) قال : هذا شأنكم وشأن ربكم رواه أبو قاسم الطبراني في ( السنة ) وعثمان بن سعيد الدارمي وشيخ الإسلام الأنصاري وابن مندة وابن خزيمة وغيرهم . ولما ذكر سبحانه في سورة الأنعام أعداءه وكفرهم وشركهم وتكذيب رسله ذكر في أثر ذلك شأن خليله إبراهيم وما أراه من ملكوت السماوات والأرض وما حاج به قومه في اظهار دين الله وتوحيده ثم ذكر الأنبياء من ذريته وأنه هداهم وآتاهم الكتاب والحكم والنبوة ثم قال : ( فإِن يكفُرَ بِها هَؤلاءِ فَقَد وكَلنا